الفصل الأول: المعرض الشعبي آخر الشارع — إيدك بعيد عن العربية! الصوت كان عالي لدرجة إن أكتر من شخص جوه معرض السيارات لف وبص ناحية الست اللي كانت واقفة جنب العربية السودا الفخمة. هي نفسها ما اتحركتش. ولا حتى سحبت إيدها بسرعة زي ما موظف المبيعات كان متوقع.
كل اللي عملته إنها لفت وشها ناحيته بمنتهى الهدوء. كانت ست في أواخر الثلاثينات، يمكن بداية الأربعينات، لكن جمالها كان من النوع اللي يخلي صعب تحدد سنها. ملامح شرقية أصيلة، عيون واسعة ثابتة، ووش هادي مفيهوش ذرة ارتباك.
كانت لابسة عباية سودا طويلة، بسيطة جدًا مقارنة بالمكان اللي واقفة فيه. لا ماركة ظاهرة. لا مجوهرات ملفتة. ولا شنطة سعرها يساوي مرتب موظف سنة، زي أغلب الستات اللي متعود يشوفهم داخلين المعرض. لكن كان فيها حاجة تانية... حضور. ثقة. وهدوء غريب يخلي اللي قدامها هو اللي يتوتر، مش هي.
المعرض نفسه كان واحد من أفخم معارض السيارات في المدينة. واجهات زجاجية ضخمة، أرضيات رخام بتلمع، وإضاءة موزعة فوق أحدث موديلات العربيات الفارهة. حتى طريقة استقبال الزباين كانت مختلفة. قهوة مخصوص. موظف استقبال. ومندوب مبيعات بيتعامل مع الزبون من أول لحظة حسب الساعة اللي في إيده والعربية اللي نزل منها.
والست دي تحديدًا... دخلت ماشية. لوحدها. وبعباية سودا شرقية اعتبرها موظف المبيعات، من أول نظرة، ما تناسبش المكان. علشان كده لما شافها بتمد إيدها ناحية العربية المعروضة في نص الصالة، اتحرك بسرعة. وقف قدامها وقال بحدة: — قلت لحضرتك إيدك بعيد عن العربية. العربية دي تمنها بالملايين.
رفعت حاجبها باستغراب: — وأنا عملت إيه؟ — مفيش، بس العربيات هنا مش للفرجة واللمس. بصت حواليها. كان فيه راجل واقف بعيد فاتح باب عربية تانية، وطفله الصغير قاعد جوه العربية بيلعب في الدركسيون. رجعت بعينيها للموظف وسألته: — والولد اللي هناك؟ لف الموظف ناحية الطفل، وبعدين رجع لها: — دول زباين.
ظهرت ابتسامة صغيرة جدًا على شفايفها. — وأنا إيه؟ اتلخبط للحظة، لكنه بسرعة رجع لنفس نبرة التعالي: — حضرتك لو جاية تستفسري عن عربية اقتصادية، ممكن أوفر عليكي وقتك. المعرض الشعبي آخر الشارع عنده عربيات تناسب ميزانيات أكتر. ساد الصمت.
واحد من الموظفين اللي كانوا قاعدين ورا مكتب قريب رفع عينه من الكمبيوتر. موظفة الاستقبال نفسها بدأت تتابع الحوار. أما الست... ففضلت ثابتة. ولا غضبت. ولا رفعت صوتها. ولا حتى حاولت تدافع عن شكلها. بصت للعربية السودا اللي جنبها وسألته: — العربية دي بكام؟ الموظف ضحك.
ضحكة قصيرة مستفزة. — حضرتك لسه مصممة؟ — سألت سؤال واضح. قال الرقم. رقم بالملايين. توقع إن عينيها تتسع. أو تتراجع. أو تقول إن السعر غالي. لكنها اكتفت بهزة بسيطة من رأسها وقالت: — والموديل الأبيض اللي هناك؟ بدأ صبره ينفد. — أغلى. — بكام؟ قال الرقم.
فسألته عن عربية ثالثة. وهنا ضحك وقال: — بصي يا مدام، أنا مقدر إن العربيات ممكن تعجب أي حد، ومفيش مشكلة إن الواحد يحلم، بس إحنا هنا شغالين. اتغيرت عينيها للحظة. مش غضب. كان أقرب لخيبة أمل. قالت: — يحلم؟ — مقصدش حاجة وحشة. — لأ، قول. كمّل.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.